السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
115
مختصر الميزان في تفسير القرآن
غير سوي عن جهل نبّهه أن له علما بهذا الشأن ليس عنده وعليه أن يتّبعه حتى يهديه إلى صراط - وهو الطريق الذي لا يضل سالكه لوضوحه - سوي هو في غفلة من أمره ، ولذا نكّره إذ قال : « أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا » ولم يقل : أهدك الصراط السوي كأنه يقول : إذ كنت تسلك صراطا ولا محالة من سلوكه فلا تسلك هذا الصراط غير السوي بجهالة بل اتبعني أهدك صراطا سويا فإني لذو علم بهذا الشأن . وفي قوله : « قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ » دليل على أنه أوتي بالحق قبل دعوته ومحاجته هذه وفيه تصديق ما قدمناه في قصته عليه السّلام من سورة الأنعام أنه أوتي العلم باللّه ومشاهدة ملكوت السماوات والأرض قبل أن يلقى أباه وقومه ويحاجهم . والمراد بالهداية في قوله : « أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا » الهداية بمعنى إراءة الطريق دون الإيصال إلى المطلوب فإنه شأن الإمام ولم يجعل إماما بعد ، وقد فصلنا القول في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ( البقرة / 134 ) . قوله تعالى : يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا إلى آخر الآيتين ؛ الوثنيون يرون وجود الجن - وإبليس من الجن - ويعبدون أصنامهم كما يعبدون أصنام الملائكة والقديسين من البشر ، غير أنه ليس المراد بالنهي النهي عن العبادة بهذا المعنى إذ لا موجب لتخصيص الجن من بين معبوديهم بالنهي عن عبادتهم بل المراد بالعبادة الطاعة كما في قوله تعالى : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ الآية ( يس / 60 ) ، فالنهي عن عبادة الشيطان نهي عن طاعته فيما يأمر به ومما يأمر به عبادة غير اللّه . لما دعاه إلى اتباعه ليهديه إلى صراط سوي أراد أن يحرضه على الاتباع بقلعه عما هو عليه فنبهه على أن عبادة الأصنام ليست مجرد لغو لا يضر ولا ينفع بل هي في معرض أن تورد صاحبها مورد الهلاك وتدخله تحت ولاية الشيطان التي لا مطمع بعدها في صلاح وفلاح ولا